محمد متولي الشعراوي

4331

تفسير الشعراوى

و « متبرّ » أي هالك ومدمر ، وهنا يوضح لهم موسى أن هؤلاء الجماعة التي تعبد الأصنام ؛ وهم وأصنامهم هالكون ، وما يعملون هو باطل لأن قضايا الكون إن أردتم أن تعرفوا حقيقتها فلابد لها من ثبوت ، والحق ثابت لا يتغير أبدا لأن له واقعا يستقرأ ، ومثال ذلك إذا حصلت حادثة بالفعل أمامنا جميعا ، ثم طلب من كل واحد على انفراد أن يقول ما رآه فلن نختلف في الوصف لأننا نستوحى واقعا ، لكن إن كانت القضية غير واقعة فكل واحد سيقولها بشكل مختلف ، ولذلك نجد من لباقة القضاء أن القاضي يحاور الشهود محاورات ليتبيّن ما يثبتون عليه وما يتضاربون فيه . وإن كان الشهود يستوحون حقيقة واقعة ، فلن يختلفوا في روايتهم ، ولكنهم يختلفون حين لا يتأكد أحدهم من الواقعة أو أن تكون غير حقيقة . والمثل العربي يقول : « إن كنت كذوبا فكن ذكورا » أي إن كذبت - والعياذ باللّه - وقلت قولا غير صادق فعليك أن تتذكر كذبتك ، وأنت لن تتذكرها لأنها أمر متخيّل وليس أمرا ثابتا . وقد يجوز أن يأخذ غير الواقع زهوة ولمعانا فنقول : إياك أن تغتر بهذه الزهوة لأن الحق سبحانه وتعالى يقول : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( 17 ) ( سورة الرعد ) لقد شبه سبحانه الباطل بالزبد وهو ما يعلو السائل أو الماء من الرغوة والقش والمخلفات التي تعوم على سطح المياه إنه يتلاشى ويذهب ، أما ما ينفع الناس فيبقى . ونحن نختبر المعادن لنعرف هل هي مغشوشة أو لا . . ونعرضها على النار ، فيطفو ما فيها من مادة غير أصيلة وما فيها من شوائب ، ويبقى في القاع المعدن الأصيل .